محمد عزة دروزة

109

التفسير الحديث

« 2 » الإبسال : قيل إنها بمعنى الهلاك . وقيل إنها بمعنى الارتهان والحبس ، وهي هنا بالمعنى الأول . « 3 » وإن تعدل كل عدل : بمعنى وإن تفتد بكل فدية . في الآيات نهي للنبي صلى اللَّه عليه وسلم عن مجالسة الكفار إذا ما سمعهم ورآهم يخوضون في آيات اللَّه خوضا خارجا عن حدود الأدب والحق . وإذا أنساه الشيطان ذلك ثم ذكر النهي فليبادر إلى ترك مجلسهم ، وتقرير بأن المتقين لا يتحملون إثم الكفار في عملهم ولكن النهي تذكير لهم ليبتعدوا عن مجالس الظالمين الآثمين . وأمر للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بألا يهتم للذين غرتهم الحياة الدنيا وما تيسر لهم فيها من مال وقوة ورغد عيش وجعلوا الدين لعبا ولهوا ، وأن يتركهم ويكتفي بتبليغ رسالته وإنذار الناس حتى لا يهلكوا أنفسهم ويصبحوا رهينة بما كسبوا يوم لا يكون لهم من دون اللَّه ولي ولا شفيع ، ولا يؤخذ منهم فدية مهما عظمت حيث يعذبون أشد العذاب مع شرب الماء الحار جدا جزاء ما كانوا يقترفون ويفترون . تعليق على آية * ( وإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه ) * ولقد روى الطبري أن المشركين كانوا يجلسون إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه فإذا سمعوا استهزأوا ، فنزلت الآية الأولى . وروى الطبرسي والبغوي والخازن أن المسلمين قالوا حينما نزلت هذه الآية : كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا ونخاف أن نتركهم ولا ننهاهم ! فنزلت الآية الثانية . ويتبادر لنا من عطف الآيات على ما سبقها وانسجام الآيتين الأوليين بالآيات التالية لها أن الآيات وحدة مترابطة ، وأنها استمرار للسياق المستأنف في حكاية مواقف الكفار ، وأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يتأذى من استهزاء الكفار - الذين يجلس إليهم